قال الشيخ محمد الحمد حفظه الله في كتابه ارتسامات :
كان لنا جار اسمه عبد الله بن عبد العزيز العبيدي ، وقد أَدْرَكْتُه وهو كبير في السن ، وقد توفي صباح السبت ٢٥ شعبان / ١٤٢٢ هـ
عن عمر يزيد على التسعين ،
رحمه الله ،
وكان – رحمه الله - رجلاً فاضلاً حكيمًا ، حسن العشرة والحديث ، عاش فترة من عمره في طلب الرزق في الكويت يعمل في البحر مع أصحاب له ، ثم رجع إلى مسقط رأسه الزلفي .
وكان هذا الرجل ذا صلاح، وتَـألُّه ، ومُكْثٍ طويل في المسجد ؛ فكان يمكث بعد صلاة العصر إلى المغرب أو العشاء ، وإذا زاره أحد وحادثه انطلق معه بما يريد .
ولقد حدثني بحادثة حصلت له ، وكان أول ما سمعتها منه ،
عام ١٤١٠ هـ ثم طلبت منه
إعادتها مرارًا !
وخلاصتها -كما يقول-: أنه في يوم من الأيام وقبل ما يزيد على أربعين سنة ، أُدْخِلَتِ الكهرباء إلى مدينة الزلفي ، فذهبت إلى شركة الكهرباء ، وقلت لهم : إنني أريد أن تصل الكهرباء إلى بيتي ، فقالوا: إن قيمةَ إدخالِها مائتا ريال ، فرجعت إلى منزلي ، وأخذت المبلغ، وكان الوقت وقت صلاة الظهر، فقلت : أصلي ، وبعد الصلاة أذهب إلى الشركة ؛ لدفع المبلغ ،
فلما فرغتُ من الصلاة التفتُّ وإذا جانبي رجل كبير فقير أعرفه ، وأعرف فقره ومسكنته ، فقال لي :
يا أبا سعود ! والله إن الأولاد جياع في البيت ، وإنهم لا يجدون ما يسدّ جوعتهم ؛
فأشفقت عليه ، وقلت في نفسي : أعطيه مائة ، وأعطي الشركة المائة الأخرى ، وباقي المبلغ الذي للشركة أعطيهم إياه فيما بعد ، فأعطيته مائة ، ففرح ، ودعا لي ، ثم خرجت من المسجد ، وتحسست جيبي وإذا بي لا أجد المائة الأخرى ، فأدركت أنني أعطيت الرجل المائتين على سبيل الخطأ ،
فصرت في حِيرة من أمري :
هل أرجع إليه ، وأقول : إنه لم يكن في نيتي إلاّ إعطاؤك مائة فحسب ؛
فَرُدَّ لي مائة ؟ أو أنصرف إلى بيتي ، وأَدَعُ التقديم على شركة الكهرباء حتى تـتـيسَّر أموري ؟
وبينما أنا في ذلك التردّد قررت الرجوع إلى المنزل ، وإيثار الرجل بالمائتين ،
ولما رجعت إلى منزلي وجدت رجلاً في انتظاري عند باب المنزل ، وصرت أنظر إليه ، وأحاول التعرف عليه ، فلما رآني مقبلاً تقدم إليَّ بحرارة ، وشوق ؛ فلما اقترب مني، وسمعت صوته عرفته ؛ فهو صاحب لي أيامَ كنت أعمل في البحر في الكويت ، وهو من التجار ، ومن أهالي القصيم ، ولم أرَه منذ خمس وعشرين سنة ؛ فعانقته وفرحت به ، وألححت عليه بدخول المنزل لتناول الغداء ، فقال : أنا في عجلة من أمري ، فقد مررت في الزلفي ، فخطرتَ في بالي ، فسألتُ عنك ، فدلوني على بيتك ، وجئت للسلام عليك ، فحاولتُ معه ؛ كي يتناول الغداء ، فلم أفلح إلاّ بموافقته
على تناول القهوة فحسب ،
ولما همَّ بالانصراف ودَّعته ، فأعطاني مظروفًا لم أنظر ما فيه
إلاّ بعد أن غادر ، فلما فتحته وجدت فيه هدية ، وهي عبارة عن مبلغ ألفي ريال ! ففرحت بها أيما فرح ؛ لـِمَـا وجدتُ من الخَلَف من الله،
ثم سدَّدتُ قيمة دخول الكهرباء ، وتمتعت بباقي المبلغ دهرًا طويلًا ؛
إذ كان يعدل في ذلك الزمن
الشيء الكثير .
وبعد أن قص عليَّ القصة قلت له : يا أبا سعود ، الحمد لله أنك أعطيته المائتين، ولم تعطه مائة، ولو أعطيته مائة لربما لم يأتك إلاّ ألف .
فضحك ، وقال : الحمد لله ، وفضل الله واسع ؛ فله الفضل والمنة .
هذه القصة تُرينا شيئًا من فضل الله - عز وجل - وأن الجزاء من جنس العمل ، بل إن ما عند الله خير وأبقى ، وأن ما يُدفع من السوء
قد يكون أعظم مما يأتي من الخير
فالعوض من الله ؛ أنواع كثيرة
لا يعلمها إلاّ هو - عز وجل -